مراجعات أبو حفص ( الجزء 3 )

sdfre

AddToAny

مراجعات أبو حفص ( الجزء 3 )

  • بتاريخ : خميس, 2017-05-11 11:57
  • نشر بواسطة : موقع الشبيبة تي آن

لهذه الأسباب لم أعد أومن بالجهاد وبالخلافة

حوار صلاح الدين الجورشي

مراجعات أبو حفص ( الجزء 1 )

مراجعات أبو حفص ( الجزء 2 )

منذ صغري وأنا منبهر بمفهوم الجهاد في سبيل الله. كانت أحاسيسي متأثرة بهذا الفكر الذي لم تزده الأوضاع الداخلية والخارجية إلا اشتعالا في نفسي . كنت في صغري متعاطفا مع التيارات الجهادية، لكن عندما لمست النتائج السيئة لتلك التجارب، ولاحظت بعض التوظيف الخارجي لها، بدأت أغير نظرتي وأستنكر ما يجري، خاصة فيما يتعلق بقتل الأبرياء والأطفال.

في البداية لم أعارض الأصل وإنما عارضت بعض النتائج وحالات التهور التي صاحبت هذه الأعمال. ثم تطور الأمر إلى أن اقتنعت بأن مثل هذه الأعمال هي في أصلها قد تكون مشروعة ولكن مفاسدها أكثر من مصالحها، وبالتالي لا حاجة لنا بها اليوم، إلى أن اقتنعت بأن هذه الأعمال إجرامية وأن من شأنها أن تخدم المشاريع الاستبدادية وتخدم الاستعمار والاحتلال، وتعطيه كل المبررات للتدخل في البلاد الإسلامية.

بعد أن نزعت تعاطفي مع العمليات الجهادية داخل البلاد الاسلامية ، بقي تعاطفي كبيرا مع التيارات الجهادية التي ترفع راية الجهاد العالمي أو ما يسمى بالجهاد التضامني، أي التضامن مع المجاهدين في أفغانستان والفلبين والبوسنة والهرسك. لم أكن عضوا في القاعدة، ولكني تعاطفت مع احداث الحادي عشر من سبتمبر واعتبرتها جزء من هذا الجهاد التضامني. أما بعد أن كسرت هذه الأقفال كانت هذه من أول الابواب التي بدأت أعيد النظر فيها، خاصة بعد اطلاعي على ما تضمنته كتب العلماء والفقهاء من أحكام المعاهدين والذميين. ووجدت في ذلك ما يكفي لانتقاد ما تقوم به ” القاعدة ” . وهكذا أخذت شيئا فشيئا ابتعد عن التيار الجهادي، خاصة مع واقعة الحادي عشر من سبتمبر والنتائج السيئة التي ترتبت عنها في العالم الإسلامي من خلال احتلال العراق . كنا في محنة، وكنا في تلك المرحلة في السجن، وكان سجننا أيضا من تداعيات الحادي عشر من سبتمبر. وبدأت أتحول من السلفية شيئا فشيئا إلى الإخوانية، وإن لم تدم كثيرا هذه المرحلة. لم يكن اقتناعا مني بالفكر الإخواني بقدر ما كان ردة فعل على الفكر السلفي..

بعد ذلك شرعت في هدم الفكر الإخواني فقرأت كتب مخالفيهم الذين قيل لنا بأنهم علمانيون ولا دينيون ويكنون العداء للإسلام والمسلمين، وأن قراءة كتبهم تحدث تشويشا في التفكير. على عكس ذلك أصبح عندي شوق للإطلاع على ما كتب هؤلاء، فبدأت أقرأ لكل المدارس المخالفة للتيار الإسلامي ، وهو ما جعل المسافة بيني وبين حتى بعض التيارات الإسلامية المعتدلة تزداد يوما بعد يوم .

هكذا بلغت مرحلة انتقاد العمل الجهادي عموما، سواء كان داخل البلاد الإسلامية أو في غيرها. وعلى إثر توسع معارفي، نظرت إلى نصوص الجهاد بنظرة مختلفة، إذ كنت من قبل أتصور كما يتصور كثير من ” الجهاديين ” اليوم أن مثل هذه النصوص الداعية إلى القتال والمحرضة عليه والموجودة في القرآن هي نصوص واجبة التطبيق، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، وانه لا بد لك أن تبحث عن المكان المناسب لتنزل فيه مثل هذه النصوص، وأن هذه النصوص غير قابلة للتعطيل، وهي فكرة أساسية في صفوف التيار الجهادي. فالقول بأن الجهاد ” ماض إلى يوم القيامة ” من أهم الأفكار المرجعية التي تحرض الشباب على القتال، لأن المنزل لهذه النصوص من المشايخ يقولون بأن هذا إخبار من النبي صلع ، وهذا الإخبار لا يمكن أن يتخلف، وفيه أجر كبير أعده الله للمجاهدين. ولهذا تجد الشاب يبحث في العراق وأفغانستان وفي سوريا لكي ينزل هذه النصوص ويحصل على الأجر والمغنم الكبير الذي وعد به، فإن سدت عليه الأبواب أمامه يقول أنا لا يمكن أن أبقى مغلولا مقيدا وأمنع من هذا المكسب الكبير، ولا بد أن أصرف هذا في دولتي، وأن أبحث عن مبررات شرعية لتحصيل مثل هذا المغنم الكبير.

بعد قراءاتي، تغيرت النظرة كلها لمثل هذه النصوص، ولم أكن أتصور أني في يوم من الأيام سأومن بأن هذه النصوص (القرآنية) لها سياق خاص، وأنها مخصوصة بواقع معين، وليس وفق شعار كان يرفع لنا والذي اكتشفت زيفه المعرفي، وذلك من خلال القول بأن كل النصوص صالحة لكل زمان ومكان، وأنها مجردة من كل السياقات.

طبعا أنا لا أزال أومن بأن الإسلام صالح لكل العصور، لكن ليس الإسلام التاريخي الفقهي . لهذا أقول حتى لكثير من التيارات المعتدلة ” إن لم تقولوا بأن نصوص الجهاد والقتال لها سياقات خاصة، وأنها نزلت في واقع مخصوص، وجب عليكم أن تكونوا في الجبهات مع داعش، لأن داعش هي التي تقوم بالتنزيل البسيط الذي أنتم أيضا تؤمنون به، ولا يمكن أن تقولوا بأن هذه النصوص قائمة إلى يوم الدين، وبالتالي فإن غالبية ندواتي هي في هذا المنحى وهذا التيار.

أما عن رأي أبو حفص في السياسة الشرعية، وهل هي ملزمة حاليا، من خلال الدعوة إلى لزوم إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية، يقول :

هذه مسألة جوهرية في الفكر السلفي، وإن كان غالب التيارات الإسلامية التي لازالت تحسب على التيار المعتدل حين تريد أن تؤصل لهذا الأمر، وهو ما لاحظته ايام الربيع العربي وعندما بدأت بعض الاحزاب السلفية تدخل غمار العمل السياسي، أنه إذا أرادوا أن يؤصلوا لأنفسهم شيئا أو ان يبيحوا لأنفسهم أمرا بحثوا له عن تأصيل شرعي داخل ما يعرف بكتب الأحكام السلطانية. حتى الإخوان المسلمين في كثير من كتاباتهم السياسية لابد أن يرجعوا إلى ما قاله الماوردي والجويني وما جاء على لسان أبو يعلم..

أنا أيضا كنت على هذا الشاكلة ، لكنني وجدت أنها  كانت تبرر الواقع الاجتماعي والسياسي الذي ألفت فيه هذه الكتب أكثر مما كانت تؤصل تأصيلا مبنيا على ما أسميه ” الإسلام الخالص “، أو الإسلام المجرد الذي يمثل القيم والمبادئ والأخلاق ومقاصد شرعية وليس جزئيات.

مفهوم ” الدولة الإسلامية ” وكل ما قيل عن شروطها وآلياتها هي في نظري إبداعات من قبل هؤلاء العلماء ، لكنها أفكار مرتبطة ارتباطا عميقا بالواقع الذي كانوا يعيشونه ، إضافة إلى أن كثيرا من هذه الكتب بل أغلبها كتب بأمر من السلطان الذي كان حاكما في ذلك الوقت، وبالتالي لا يمكن ان تكون إلا تبريرا لما كان يقوم به السلطان، فتجدهم يتحدثون بإسهاب مبالغ فيه عن قضية السمع والطاعة لولي الأمر، لأن الكتاب كتب لولي الأمر، فيتحدثون عن حكم المتغلب مع أن هذا الأمر مناقض لما جاء به الإسلام من الحرية واختيار الأمة والشورى، فالحاكم الذي امر بكتابة ذلك الكتاب كان حاكما متغلبا.

باختصار وجدت أن كل هذه الكتب لا تصلح لإقامة نظام سياسي معاصر، ولا تصلح لتنظيم العلاقات، الفقهاء أنفسهم ، مع احترامي وإجلالي لهم، لو قيل لهم هل أنتم تريدون لهذه الكتب أن تكون صالحة للقرن الواحد والعشرين وأن تكون مرجعا في تأسيس الدولة المعاصرة لن يقبلوا بذلك ولن ينصحوا به.

أعتقد بأن الفقه في غالبه إلا ما يتعلق بالعبادات، كان متأثرا حتما بالواقع التاريخي، أي الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي أفرزه. إذا كنت أومن بهذا في غالب أبواب الفقه، فمن باب أولى أن يشمل قولي أبواب السياسة التي هي مجالات متحركة ومتغيرة .  أنا أنتقد الفكر الإسلامي عموما وليس السلفي خصوصا، وأدعو إلى تطويره نفسه حتى يتلاءم مع الواقع المعاصر، وأن يبدع إبداعا جديدا ، لا يتنازل عن مرجعيته التي هي القيم والمقاصد الشرعية العامة التي جاء بها الإسلام، ولكن بآليات وفقه متجدد.

 



في نفس السياق