مراجعات أبو حفص ( الجزء 2 )

sdfre

AddToAny

مراجعات أبو حفص ( الجزء 2 )

  • بتاريخ : خميس, 2017-05-11 11:55
  • نشر بواسطة : موقع الشبيبة تي آن

لقد خدعــــــــــــــــنا

حوار صلاح الدين الجورشي

مراجعات أبو حفص ( الجزء 2 )

تحدث أبو حفص عن الأسباب التي دفعته بشكل جدي إلى بداية المراجعات فقال :

لم أكن أتصور أن كتابا معينا سأقرئه وسيحدث لي تحولا خطيرا في مساري وفي منهجي.

كنت مع تعظيم النص و الرجوع إلى السلف الصالح والفهم الحرفي الظاهري لهذه النصوص، وكنت بعيدا كل البعد عن الفهم المقاصدي الذي كنا نعتبره نوعا من العبث بالنصوص الشرعية.

في تلك الفترة كان هناك كتاب رائج بين السلفيين يعتبرونه من أهم المراجع التي يعتمدونها. وكانت لي محبة كبيرة لهذا الكتاب دون أن أقرأه، وهو كتاب “سير أعلام النبلاء” للإمام الذهبي. كان في حدود 35 مجلدا، وتضمن تراجم لكل الشخصيات التي عرفها التاريخ الإسلامي منذ النبي صلع إلى عصر المؤلف في القرن الثامن. وبذل فيه مجهودا ضخما لجمع سير كل من عرف في التاريخ الإسلامي من محدثين وفقهاء وأصوليين ولغويين وأطباء وفلاسفة..  كان هو أول كتاب طلبته بعد دخولي إلى زنزانتي، وقرأته في مدة قياسية لم تتجاوز شهرا واحدا.

لقد أحدث الكتاب تحولا في عقليتي وخلخل تفكيري خلخلة جذرية . اكتشفت أن السلف الصالح قدموا لنا في صورة واحدة تم انتقاؤها. في حين وجدت أن الأفكار التي كانت تشنع عندنا واعتبروها أفكارا ضالة لم يكن يؤمن بها السلف الصالح، وجدتها معلومة خلال الفترة الذهبية. وجدت أن السلف شقتهم توجهات وانقسموا إلى تيارات، وأنه ليس صحيحا القول بأنه  خلال القرون الأولى لم يكن موجودا إلا تيار وحيد يجب الإيمان به وأخذ أقواله كعلبة جاهزة لا يحق لنا أن ننقص منها شيئا.

عندما انتهيت من قراءة هذا الكتاب اكتفيت بكلمة واحدة قلتها “لقد خدعنا”. اكتشفت أنني كنت ضحية خدعة وأنه علي بعد ذلك اليوم أن أعيد اكتشاف نفسي وأعيد ترتيب أفكاري، وأن علي أن أكتشف تاريخ الإسلام من جديد. لذلك انفتحت على كل المدارس، وقررت ألا أقرأ لأحد وألا أعطي حكما على أحد إلا بعد أن أقرأ منه لا عنه.

كما أني تجاوزت العباءة الشرعية ، ودرست علوم الاجتماع والقانون، وانفتحت على الأدب بكل مدارسه سواء العربية أو الغربية. أمضيت 9 سنوات في السجن سبع منها في زنزانة انفرادية لم يكن لي فيها شغل ليلا ونهارا صباحا مساءا إلا المطالعة، وأنا من النوع الذي يتفاعل مع القراءة، فالكتاب الذي لا يضيف لي شيئا ولا يزعزع في قناعة لا أستطيع أن أكمله.

بعد 9 سنوات حصل لي انقلاب جذري حتى قيل عني ” هذا ليس هذا أبو حفص الذي نعرفه ” . لم يتصوروا ما الذي حصل في عقلي وأنا قابع بين أسوار السجن، حيث كانت هناك فرصة للتأمل والتخلص من كل الضغوط الخارجية. و منذ ذلك الوقت وإلى الآن لا أومن إلا بما أنا مقتنع به كامل الاقتناع.

كانت رجة كبيرة خلفت تداعياتها على كل مجالات تفكيري. الذي بقي ثابتا عندي هو الاختيارات الفقهية العادية المتعلقة مثلا بالصلاة والصيام والزكاة، فهي عبادات توقيفية وليست مسائل فكرية قابلة للنقاش. لكني في المقابل استرجعت كل المعلومات التي كانت عندي، فأنا خريج كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية وعندي ماجستير في العلوم الشرعية، فوجدت نفسي مدفوعا لكي أدخل كل المعلومات التي تلقيتها منذ صغري في آلة جديدة قامت بتصفيتها وتنقيتها وإعادة إخراجها.

أهم شيء أخذته من ذلك التحول هو أنني بدأت أكسر القيود بعد أن وجدت نفسي وكأنني كنت داخل قفص. قفص له أكثر من باب : باب الفرقة الصغرى، وباب الفرقة الناجية، وباب أهل السنة. بدأت أكسر هذه القيود قيدا قيدا وأتحرر منها مطلقا، يعني  اكتشفت أني كنت مغلولا، وأن أول شيء لأنطلق في هذه المسيرة لا بد أن أستعيد حريتي، وأن يتحرر عقلي ، وأن أتخلص من وصاية الذين يريدون مني أن أفكر بالطريقة التي يريدون. وهكذا لم أدع بابا من الأبواب إلا وأعدت ترتيبه من الفقهى إلى التاريخ إلى أصول الفقه إلى المسائل المنهجية إلى المسائل الواقعية إلى النظرة إلى الواقع والتعامل مع الآخر .لقد تجاوزت قضية السلفية الجهادية ، إذ الكثير من الذين أخذوا تجربة المراجعات كان أقصى ما عندهم أنهم كانوا سلفيين جهاديين ثم تحولوا إلى إسلاميين معتدلين .  حالتي تجاوزت كل هذا إلى نقد الفكر والعقل الإسلامي، إلى جانب نقد التيارات الإسلامية بكل أنواعها . لقد اكتسبت ملكة النقد لكل شيء، فلا أستطيع أن أتقبل شيئا دون أن يكون مدعوما بالحجج والأدلة الواقعية والمنطقية.

يتبع

مراجعات أبو حفص ( الجزء 3 )



في نفس السياق