ماري مالون: قصة المرأة التي قضت 26 عاماً في الحجر الصحي

sdfre

AddToAny

ماري مالون: قصة المرأة التي قضت 26 عاماً في الحجر الصحي

  • بتاريخ : اثنين, 2020-03-30 17:45
  • نشر بواسطة : صبري دريدي

فرض الحجر الصحي المنزلي نفسه علينا ضيفاً ثقيلاً لابدّ منه، وذلك مع انتشار فيروس كورونا الجديد في أغلب دول العالم وإعلانه وباءً عالمياً من قبل منظمة الصحة العالمية التي أكدت على ضرورة اتخاذ التدابير الوقائية والابتعاد تماماً عن التجمعات.

بعد أيام قليلة من الحجر المنزلي شعر الكثيرون بالاستياء لافتقادهم مظاهر الحياة الاجتماعية، لكن يمكنك قراءة بعض المواد التي تساعدك في التخلُّص من الملل، مثل هذه المادة عن أفضل سلاسل أفلام للمشاهدة، أو تصفّح مواد الطعام في قسم المطبخ، أو قراءة هذه الترشيحات الأدبية.

وفي هذا السياق الذي نعيشه هذه الأيام يمكننا تذكر قصة ماري مالون المرأة الأيرلندية التي قضت حوالي 26 عاماً في الحجر الصحي!

 

قبل الحكاية

 

شهد العالم عبر التاريخ، الكثير من الأوبئة التي عصفت بالبشرية وتسببت في زهق الكثير من الأرواح، فهناك التيفوس الذي أفشل حملة نابليون بونابرت على روسيا خلال عام 1812، والطاعون الأسود الذي راح ضحيته حوالي 20 مليون شخص في القرن الرابع عشر، وكذلك الإنفلونزا الإسبانية التي قتلت حوالي 50 مليون شخص في القرن العشرين.

وبالإضافة إلى تلك الأوبئة عانى العالم طيلة سنوات من حمى التيفوئيد (Typhoid fever) التي يصل عدد المصابين بها إلى أكثر من 20 مليون شخص ويموت ضحيتها أكثر من 161 ألف شخص سنوياً حالياً.

وقد سجل التاريخ حالة فريدة من نوعها خلال القرن الماضي ارتبطت بحمى التيفوئيد، وكانت ضحيتها ماري مالون التي عُرفت إعلامياً باسم “ماري تيفوئيد”.

 

حمى التيفوئيد.. كيف بدأت قصة ماري مالون؟

 

ولدت ماري مالون في 23 سبتمبر/أيلول عام 1869 في كوكستاون بمقاطعة تيرون في أيرلندا الشمالية، وهاجرت إلى الولايات المتحدة في مراهقتها عام 1884 هرباً من المجاعة الكبرى التي اجتاحت أيرلندا، وفي مدينة نيويورك عملت مساعدة منزلية ولكن بسبب براعتها الكبيرة في الطهي بدأت منذ عام 1900 العمل طاهية لعائلات نيويورك الغنية.

دون أن تعلم، نشرت ماري مالون حمى التيفوئيد أثناء عملها طاهية لعدّة عائلات في جميع أنحاء مدينة نيويورك، وخلال صيف عام 1906 انتقلت ماري للعمل لدى مصرفيٍّ ثريّ يُدعى تشارلز هنري وارن وبعد أسابيع قليلة أُصيبت ابنته بالتيفوئيد.

بعد ذلك، مرضت زوجة الرجل وابنته وخادمتان والبستانيّ. في النهاية، أُصيب ستة من أصل أحد عشر شخصاً في المنزل بالتيفوئيد.

حينها استنجد السيد تشارلز بجورج سوبر، وهو مهندس مدني لديه خبرةٌ واسعة في تفشِّي مرض التيفوئيد، وبعد إجرائه لمجموعة من الأبحاث شك سوبر في ماري مالون إذ علم من خلال تحقيقاته أنّ حمي التيفوئد أصابت سبعاً من أصل ثماني عائلات عملت لديهم ماري مالون.

لم تكن ماري على علم بالطبع بأنها تحمل العدوى، وفي عام 1907 خضعت ماري للتحليل الطبي وكانت نتائجها إيجابية باعتبارها حاملاً لبكتيريا السالمونيلا التيفي وهي تسبب التيفوئيد، وبذلك تعدُّ ماري أول شخص في أمريكا تنقل العدوى دون أن تظهر عليها أيّة أعراض للمرض، إذ تحمل بجسدها البكتيريا المسببة للتيفود دون أن يكون لذلك أي تأثير على صحتها.

 

ماري مالون تُنقل إلى الحجر الصحي للمرة الأولى

 

اصطُحبت ماري برفقة خمسة من رجال الشرطة إلى مستشفى محلي صغير في نيويورك، وطوال الطريق كانت مالون تصرخ في كل من حولها قائلة بأنها في أتمّ صحة وأفضل حال.

ووفقاً لما جاء في كتاب “ماري تيفوئيد” للمؤرخة الأمريكية جوديث والزر ليفيت “كانت مالون تزأر في سيارة الإسعاف مثل الأسد الغاضب وحين ذهب رجال الشرطة لاصطحابها هددتهم بآلات المطبخ الحادة”.

هناك في المشفى الصغير قال الأطباء لمالون إنّ العلاج الوحيد هو إزالة المرارة ولكنّها رفضت إجراء الجراحة لتمكث ثلاث سنوات في ذلك المشفى. لم يقتصر الأمر على حد عزلها التام عن الجميع ولكن ثارت ثائرة المجتمع الأمريكي ضدها واشتهرت باسم “المرأة الأكثر خطورة في الولايات المتحدة”.

وفي عام 1909 رفعت مالون دعوة قضائية ضد وزارة الصحة وعُرضت القضية على المحكمة العليا، وداخل أروقة المحكمة دافع عنها محاميها قائلاً بأن موكلته سُجنت دون مراعاة الأصول القانونية، ولكنّ المحكمة رفضت رفع الحجر الصحي على ماري بحجة حماية المجتمع من انتشار المرض والحفاظ على الصحة العامة.

لكنّ المفوض العام لمدينة نيويورك رفع الحجر الصحي عن مالون خلال عام 1910 بشرط التوقُّف تماماً عن ممارسة الطهي.

 

ماري مالون تدخل الحجر الصحي للمرة الثانية

 

طوال فترة تواجدها في الحجر الصحي لم تستوعب ماري خطورة حالتها ولم تكن تفهم معنى عبارة “ناقل عديم الأعراض” التي كانت تسمعها دوماً من الأطباء، ولهذا وفور خروجها من الحجر الصحي عادت ماري لمزاولة مهنة الطهي مرة أخرى بعد أن غيرت اسمها لماري براون بدلاً من ماري مالون.

ولكن هذه المرة لم تعمل مالون لدى العائلات الثرية في نيويورك فالجميع أصبح على دراية بقصّتها وعوضاً عن ذلك اختارت مكاناً أكثر خطورة: إذ عملت مالون هذه المرة في مطاعم المستشفيات بولاية نيوجرسي!

وفي عام 1915 أصيب حوالي 25 شخصاً في مستشفى سلون للولادة بمرض حمى التيفوئيد واستدعي المهندس جورج سوبر للمرة الثانية ليكتشف أن مالون وراء تفشِّي المرض في المستشفى، وأُعيدت مالون مرة أخرى إلى نفس المشفى القديم ولكن هذه المرة للأبد.

فقد قضت ماري بقيّة سنوات عمرها الـ23 في الحجر الصحي وأمضت أيامها في القراءة.

توفيت ماري مالون عام 1938 بسكتة دماغية، ولم يحضر جنازتها سوى تسعة أشخاص، وعلى الرغم من ربع القرن الذي قضته ماري في الحجر الصحي إلا أنها وحتى آخر أيام حياتها لم تكن تعرف على وجه الخصوص ماذا يعني كونها حاملة للتيفوئيد!

ربما بسبب خلفيتها العلمية البسيطة وربما بسبب عدم فهمها لم تدرك ماري أبداً لماذا هي شخص خطير لهذه الدرجة.

 

إرث ماري مالون وانتشار نظرية “التفشِّي الفائق”

 

بعد وفاة مالون وإحراق جثتها خوفاً من العدوى اعتقد الكثير من العلماء أنها عوملت بتحيُّز شديد وعدم مساواة من قبل النظام الصحي الأمريكي وذلك بسبب كونها امرأة غير متزوجة ومهاجرة فقيرة، فبعد وفاتها اكتشفت أكثر من حالة ناقلة لعدوى التيفويئد، ولكنهم احتجزوا لبضعة أسابيع فقط فلماذا قضت مالون أكثر من ربع قرن في الحجر الصحي؟

أدى تفشِّي قصّة ماري مالون كونها ناقلاً عديم الأعراض للمرض إلى انتشار نظرية “التفشي الفائق” التي ترتكز على أن هناك أشخاصاً “ناشرين فائقين” لأي فيروس، ولم يتوصَّل البحث العلمي حتى الآن إلى سبب كون بعض الأشخاص ينشرون العدوى أكثر من غيرهم.

لكن البروفيسور مارك وولهاوس أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في “جامعة إدنبره” يقول بأن قوام أجساد الناشرين الفائقين تتعامل بشكلٍ أفضل مع المرض ولا تظهر أعراضه عليهم إذ تسير أمورهم بشكل طبيعي دون أن يعرفوا بأنهم مصابون بالمرض.

أمّا الطبيبة سيلفي بريان، مديرة قسم الأمراض الوبائية والمعدية في “منظّمة الصحّة العالمية” فترفض رفضاً قاطعاً استخدام نظرية التفشي الفائق.

كما ترفض وصف الأفراد بـ “الناقلين الفائقين” إذ ترى أنها قد تتحوّل إلى وصمة اجتماعية تشوه سمعة أصحابها ووفقاً لكلماتها: “نحن في حاجة إلى التحدُّث عن أحداث نشر فائقة وليس عن ناقلين فائقين، إذ تتحمّل الظروف والأوضاع المسؤولية كاملة عن تفشّي الفيروس، وتتسبّب في انتقال العدوى، وليس الشخص نفسه”.

 

*المصدر:  عربي بوست