لا ديمقراطيَّة حقيقية من دون دولة مدنيّة

sdfre

AddToAny

لا ديمقراطيَّة حقيقية من دون دولة مدنيّة

  • بتاريخ : أربعاء, 2018-09-12 12:35
  • نشر بواسطة : صبري دريدي

مفهوم الدولة الحديثة الديمقراطيّة، من حيث مَنطقها ووظائفها ومصادر السُّلطة فيها، لم يترسّخ بعدُ في مجتمعاتنا. فالديمقراطية تقتضي علمانيّة الدولة، أو لِنَقُل مدنيَّتها، لمن له حسَاسِيَة من مصطلح علمانيَّة. فالعِبرة بالمعنى لا باللفظ، والمقصود هو حياد الدولة إزاء المواطنين؛ ما يحقّق مبدأ المواطَنة الكاملة. فلا تُعامِل الدولة مواطنيها بمكاييل مختلفة حسَب: الدين، أو المذهب، أو القوميّة، أو الرَّأي، أو الجنس، أو التوجّه الجنسي.

أمام الدولة والقانون، الكُلُّ سَواسِيَة. وهذا لا يعني عَداء الدولة للدين، بل استقلاليَّة الشأن الديني عن الدولة. فلا يُهيمن السِّياسيُّ على الدِّيني، ولا يُهيمن الدِّيني على السِّياسي. وهذا في مَصلحَة الدِّين والدَّولة معًا، لأنه يحرّر الدين من التوظيفات والصراعات على السلطة، ويجعل المعرفة والممارسة الدينيَّتَين، خالِصَتَين لوجه الله، ولخدمة المجتمع كلِّه. حياد الدولة ليس على حساب الدين، بل هو الضامن للطابع اللاإكراهي للدين.

ما جعل مفهومَ العلمانيَّة مُلتبسًا في بعض الأذهان، هو الْتِصاقه بتجارب “علمانيّة” غير ديمقراطية، مفروضةٍ من فَوق بِاسم الزعيم الأوحد، كنَوع من التحديث القسري. فتحوَّلَت العلمانيّة إلى أيديولوجية، ظاهِرُها الاستنارة وباطنها الاستبداد. وهكذا، تُنتج العلمانيّةُ المفرَغةُ من محتواها نقيضَها، فيكُون التحديث سطحيًّا يزول بزوال مَن فرَضَه. العامل الثاني المنفِّر من مصطلح “علمانية”، هو تَبنِّي بعض الأنظمة الديمقراطية، ومَن تشبَّه بها، لِنَمَط من العلمانية المُغالية. والمقصود هنا تحديدًا النموذج الفرنسي، خلافًا للعديد من الأنظمة الديمقراطية في العالم، التي تتمتَّع بشيء من المرونة في التعامل، مع حضور الدين في الفضاء العامّ.

ما يَحكم النظامَ الديمقراطي هو الدُّستور، وهو وليد الإرادة الشعبية الحرَّة، وهو الضامن لحقوق المواطَنة، ولحقوق الأقلِّيّات والفئات التي تتطلَّب حماية خاصة. فحُكم الأغلبيّة لا يُترجَم بديكتاتوريَّتِها، وسَحْقِها لكلِّ مَن يخالفها؛ إذْ لكلِّ المواطنين الحقُّ في التعبير عن اختياراتهم في الفضاء العامّ، الذي لا ينبغي أن تحتكره فئة دون أخرى.

لا بد من وجود هيئة دُستورية، تَسهر على توافُق القوانين الجاري العمل بها ومضمون الدستور، وتَحكم بين أصحاب التأويلات المختلفة. فإنْ نصَّ الدُّستور مثلًا على المساواة بين المرأة والرجل، فعلى القوانين أن تلتزم ذلك وتطبّقه. وإنْ كانت هناك تأويلات مختلفة لهذه المساواة، فلا بد من مرجِعيّة تَحكم بين المختلفين. ثم إنَّ على الدولة أن تلتزم ما وقّعت عليه من مواثيق دُوَليّة تتعلّق بحقوق الإنسان، خاصةً إذا تضمّنها الدُّستور نفسه.

المشرِّع في الدولة الديمقراطية هو البرلمان المنتخَب انتخابًا حرًّا، وهو يناقش مشاريع القوانين المطروحة ويصوّت عليها، ويصادق على الحكومات ويُطيح بها. والمناقشة تكُون بمنهج عقلاني موضوعي. فلا يكفي أن يُنسب الرأي إلى الله، أو كتابِه، أو إلى دِين معيَّن، حتى يصبح قانونًا؛ فالبرلمان يجمع أعضاء من مشارب مختلفة، مِن مهمَّتهم أن يجدوا أرضيّة مشترَكة، تقوم على العقلانية والصالح العامّ. فالنصُّ الديني أو الرأي الفقهي، لا يكفي لإصدار القانون؛ إذْ لا بد من المرور من بَوتقةِ المناقشة ثم مِن التصويت البَرلمانيَّيْن، أو عبْرَ الاستفتاء إنِ اقتضت الحاجة. وأيضًا يمكن للنوّاب والمواطنين -مِن مرجِعيّات غير دينية أو بأفهام لم تَعْتَدْها الأغلبية-، أن يَطرحوا أفكارهم بكل حرِّيّة للمناقشة. فإن حازُوا الأغلبيّةَ المطلوبة، تُصبح مقترحاتهم قوانين.

ثَمَّة مَن يرفضون الديمقراطية تمامًا من المتديِّنين، بسبب ما يعتبرونه تعارُضًا بين الحاكميّة الدينية القائمة على آراء الفقهاء، والحاكمية الشعبية التي يمكن أن تتعارض مع الآراء الدينية. وهناك مَن يَقْبل الديمقراطيّةَ بشرط أن تكون “الشريعة” مَصدرًا وحيدًا أو أحد مصادر التشريع، إذا ما نصَّ الدُّستور صراحة على ذلك. المشكلة في هذه الحالة تتمثَّل بوجود “دُستور” هُلاميٍّ فوق الدُّستور. فالشريعة ليست نصًّا موحَّدا متفَّقًا عليه؛ ما يَفرض حتمًا شكلًا من أشكال “الوصاية الدينية”، ولو عبْر “مجلس دُستوري” مرجِعيَّتُه فوق دُستورية! وهو جمْعٌ بين منطِقَين متعارضَين: المنطق الفقهي التقليدي ومنطق الدولة الحديثة، فيُعطّل أحدهما الآخر ضرورةً.

لذلك، تَكمن الحاجة إلى حياد الدولة، لأنها تَضمن للمتديّن بطريقة تقليدية أو غير تقليدية، ولِلمُنتمي إلى دين آخر أو غير المتديّن، أن يكونوا جميعًا على قدم المساواة في الفضاء العامّ وفي رحاب البرلمان، بِحُكم المواطَنة الكاملة. إنها معادلة صعبة، ولكنّ حلّها ممكن عبْر الحوار العقلاني الحرّ والاحترام المتبادل.

إنها “أخلاق” الديمقراطية التي تقتضي إنسانية رفيعة، لا تُفرّق بين الناس حسب الفكر والمعتقد. فالأخلاقُ يَصعب التنصيص عليها في دساتير البشر.

الدكتور عدنان المقراني 
منقول من موقع " تعددية . كوم "