قصة قصيرة: ريتا ...

sdfre

AddToAny

قصة قصيرة: ريتا ...

  • بتاريخ : خميس, 2020-02-06 16:06
  • نشر بواسطة : صبري دريدي

 

- حسنا ان كنت أحمقا بما فيه الكفاية لتتواجد في هذا المكان فانت جدير بالجلوس الى هذه الطاولة.

¬¬هكذا كانت كلمات الراهب الأعرج الساخرة الى هارفي البائس مواجها ملك الاراضين السبعة ومجلس القضاة العشر تحت القبة العظيمة.

كان هارفي جاثيا على ركبتيه مكبلة يداه بأغلال قديمة صدئة تبدو وكأنها حيكت منذ الأزل من أجل هذه اللحظة، شعره مسدول على وجهه البائس والدم يقطر من لحيته المتسخة ولا زالت كنزته الجلدية البالية ذات اللون الباهت تمتص دم المعركة.

كان هارفي يحدق في انعكاس صورته على أرضية القاعة بالكاد يستطيع فتح عينيه المنتفختين، وإذا بجنديين وكأن سترتيهما من الذهب الخالص والفضة يحملانه نحو الطاولة، فكا أغلاله وأجلساه على كرسي.

أجلساه على كرسي خشبي في منتصف طاولة سوداء شاسعة والراهب الأعرج واقف خلفه.

كانت منصة القضاة العشر على يساره، عشرة قضاة يحدقون به بلا تعابير وجه.

حرك هارفي رأسه بصعوبة، أجال بصره في ارجاء القاعة ثم صوب عينيه الى ملك الممالك السبعة وهو جالس على عرشه.

حسنا عزيزي ان كنت أحمقا بما فيه لتضيع وقتك وتقرأ هذا الكتاب فأنت جدير بأن تعرف بما يجول في رأسي.

هذا العقل الغبي الذي لا يتوقف.

ماذا حدث لهذا الجنس البشري حتى يصل الى هذا القبح؟

ماذا حدث لكي يفقد كل شيء روحه؟

وكأننا في عالم أشباح.

ماذا حدث لكي يتحول هذا الجنس البشري الى ملايين الصراصير والجرذان المكتظة في خندق بارد، الكل يجري بلا وجهة بلا هدف، فقط يجرون منهكين يدسون على بعضهم البعض ويتدافعون بلا سبب، يصدرون أصواتا مقرفة تخرب عقلي الأحمق.

ماذا حدث؟

ماذا حدث لكي يتحول هذا الجنس البشري الى قطيع من الضباع تنهش بعضها البعض من أجل جثة نتنة لم يبق منها غير العظام النتأة.

ما الذي يجعل مئات العبيد يتدافعون ويضربون بعضهم من أجل مكان في قطار لعين أو حافلة تصدر أصواتا مقززة،

كم أمقت هذه الآلات الغبية.

ما الذي حدث لكي يصبح قلب هارفي مليئا بكل هذا الغضب والبغضاء ويفتح حربا خاسرة بلا أمل على أسياد الأرض.

كان هارفي حدادا فاشلا في قرية مزرية في أقاصي الأرض، لم يكن أحد سيسمع بهذه القرية لولا سذاجة ريتا.

كانت قرية ال...... قرية باهتة هادئة مليئة بالشيوخ والعجز، لا طعم للحياة فيها، قرية باردة كأن الشمس لا تشرق فيها وكأن لعنة أبدية أصابت هذا المكان أو طاعون خبيث تسلل لأرواح هؤلاء البسطاء.

فقط ريتا من كان لها مناعة من هذا الطاعون.

ريتا الساذجة، كانت بليدة الذهن تسير في طرقات القرية الموحلة والابتسامة الغبية لا تفارق وجهها البريء.

كانت مثل نور شمعة ضعيفة بفساتينها الجميلة وسط كل هذا الظلام المقفر.

لم يكن أحد يعلم عائلتها أو نسبها كانت فقط تعرف بالجميلة ريتا، وجدها بعض الحطابين حين كانت رضيعة في سلة تحت شجرة وحيدة فالغابة.

شعرها المجعد الأحمر ونضرات عينيها البنيتين أخر ما تبقى من أمل في هذه القرية.

كان جميع البؤساء يهتمون بريتا ويحبونها لدرجة التقديس.

رغم انها كانت خرساء وبليدة الذهن الا أنها كانت ملاكا ضائعا في الأرض، كانت ملاك هارفي الصغيرة.

رغم كل الغضب والبؤس اللذين كانا في قلب هارفي كانت كزهرة وحيدة في أرض جرداء مشققة في قلبه.

في كل يوم وقبل غروب الشمس كانت ريتا تنتظر هارفي على كرسي تؤرجح ساقيها امام خربته المليئة بالحديد والخشب، جالسة تحدق بكل من يمر والابتسامة لا تفارق وجهها.

وحين يهم الحداد بإغلاق باب خربته تسرع ريتا لإدخال الكرسي وتمسك طرف كنزته وكأنها ترجوه ليصحبها الى الحانة.

لا يرفض أحد طلبا لريتا رغم أنها خرساء لا تطلب شيئا.

******

حسنا عزيزي القارئ ان كنت مواصلا بحمقك وتقرأ هذا الكتاب الى حد الان فأنا موقن ان لديك ريتا الخاصة بك بطريقة أو أخرى.

أستسمحك عذرا صديقي الان سأتوقف عن الكتابة لأن ريتا الخاصة بي تفتح باب المقهى الأن، ريتا الخاصة بي وعناقها الدافئ أهم منكم جميعا.

ليس لدي مزاج للكتابة اليوم فقد كانت ليلة عصيبة ولأني بصراحة لا أعرف ماذا حدث لهارفي أو ريتا أو غيرهم.

فقط يشغل بالي ما حدث مع رشيد.

رشيد رفيق الدرب خارج عن القطيع لا يشبههم غريب الأطوار.

كان رشيد ذلك العبقري الذي لا يهزم في كل معارفنا، كنا دائما ما نجد الحل عند رشيد، لا يمكنك التنبؤ بما سيفعله او يقوله. وحين تحاول أن تحزر كان دائما يفاجئنا بغير ما توقعناه.

لقد رفت رشيد من عمله.

بعد كل ذلك العمل والجهد ليلا نهارا يرفد من عمله، كل ذلك من أجل غروره وانفه الأحمق.

انا اعرف رشيد حق المعرفة، انه يضن نفسه أعظم وأذكى من الجميع.

حين قابلت رشيد البارحة كان حزينا غاضبا تائها.

ذهبت اليه في شقته، حين فتحت الباب كانت رائحة السجائر تملأ المكان، كان الجو مظلما وأعقاب سجائر الحشيش ملقاة على الطاولة بجانب فراشه، كان ملقى في حالة رثة بسرواله الجينز الأسود وجسده الهزيل العاري هامد كأنه جثة.

كانت اول مرة أرى فيها صديقي رشيد مهزوما، لقد مر هو أيضا بليلة عصيبة .

جلست على الكنبة بجانب سريره، وضعت موسيقى البلوز في الهاتف ثم رحت ألف سيجارة حشيش.

وحين أوشكت الانتهاء من لفها فتح عيناه البغيضتان.

فقلت له بسخرية

-ماذا فعل الأشرار بصديقي؟

حينها تمطط في فراشه ثم استيقظ يحك شعره وقال:

-لا أحد يستطيع أن يفعل شيئا لرشيد، كلهم مجرد حمقى أغبياء، لقد تعودوا على الاغلال حتى انهم لم يعودوا يحسون بها، لقد أصبحوا يفتقدون جلاديهم.

لا يمكنهم كبحي، لست عبدا في هذه الشركة الحمقاء، فلتلعنهم الالهة.

أو اية الهة حمقاء ستلعنهم حتى انه لا يمكنها السيطرة على كل هذا الشر في الكون.

هذا الضعيف، لو كنت مكانه لأبدتهم جميعا عن بكرة ابيهم، لما تركت كل هذه الجينات المقرفة تتكاثر.

*******

حسنا عزيزي مجددا لقد بدأت بدئت بعض الشيء في التوغل في الكتاب، لذا وجب عليا ان احذرك انه ستعترضك الكثير من الخطوط الحمراء بين جمله.

ان كنت مجرد شخص تافه لا يمكن لمخيلتك ان تتجاوز هذه الخطوط فهذا ليس بالكتاب الجيد لتقرأه.

انصحك ان تلقي به في أول مكتبة تعترضك.

وان كنت مخرب العقل لا يستطيع أي شيء يبهرك في هذا العالم التافه فان اليوم يوم مشؤوم في قرية هارفي وريتا.

استيقظ هارفي صباحا، حمل فأسه واتجه نحو الغابة.

مر ببيت الجدة ماري بعد ان اشترى بعض البقالة والحليب.

كانت الجدة ماري هي من تعنى بريتا.

عندما وصل هارفي بيت الجدة جلس على عتبة كوخها الخشبي، حينها نزلت ريتا الدرج مسرعة بعد ان كانت تلمحه من النافذة وهو قادم طول الطريق.

فتحت الباب وتربعت خلفه وراحت تضرب على ظهره واكتافه والسعادة تملأ وجنتيها.

ثم أتت الجدة تجر كرسيا خشبيا وضعته جانب عتبة الكوخ وجلست عليه حذو هارفي.

-ستذهب للاحتطاب كالعادة يا هارفي؟

-اجل يا ماري، كيف حال ريتا؟ ما بالها بهذا النشاط اليوم؟

-انها كالعادة لا يهدئ لها بال حين تراك، انت تدللها كثيرا يا هارفي.

-انها ريتا ايتها الجدة.

فتنهدت الجدة وقالت:

-آه نعم انها ريتا، وماذا تبقى لنا غير ريتا؟ ستلعننا الالهة ان أصاب مكروه ريتا، سنتعذب جميعا ان زالت تلك الابتسامة من وجهها.

ثم ربتت على رأس هارفي وقالت:

-انت صالح يا بني.

حينها نفض هارفي سرواله ثم وقف وقال:

-وأي لعنت لا زالت لم تصبنا؟

ثم امسك فأسه وهم مغادرا، فلحقت به ريتا وامسكته من طرف كنزته.

-لا يا ريتا لست ذاهبا الى الحانة.

فراحت تهز سترته بقوة وكأنها ترجوه لتذهب معه.

-لا يا ريتا الغابة بعيدة، ابقي مع الجدة ستعد لك الحلوى.

لم تكن ريتا تفهم شيئا، كانت فقط تهز طرف سترته بقوة وعناد وتبتسم.

حينها التفت اليها هارفي واستل من رقبته خيطا مهترئا في اخره خشبة صغيرة افتسخت النقوش منها، كانت قلادة بالية، امسك ريتا من كتفيها ووضع القلادة حول رقبتها وقال:

-اعتني بها حتى اعود.

امسكت ريتا القلادة بين يديها وراحت تحدق بها والسعادة تملؤ خدودها المنمشتين ثم راحت تقفز وتجري في الارجاء من شدة الفرح.

نضرت الجدة الى القلادة وقالت:

-حاول ان تنسى يا هارفي.

لقد كانت قلادة مهمة لهارفي حقا.

نضر اليها، جر فأسه وذهب الى الغابة.

حين توغل هارفي في الغابة نضر بتمعن الى شجرة وحيدة حدق بها ثم بصق في يديه ولف أصابعه الخشنة حول فأسه وراح يقطعها.

كان هافي يضرب الشجرة بغضب وريتا تقفز فرحة حول بيت الجدة، كان هارفي يضرب الشجرة وشعر ريتا يتناغم مع قفزاتها، كانت قطرات العرق تقطر من جبين هارفي على الأوراق الجافة وابتسامة ريتا تملأ وجهها وكأنها اسعد مخلوق على وجه الأرض.

ثم تكسر الفأس وسقطت ريتا هامدة بلا حراك، وجهها البريء على الأرض وبعض التراب على شفتيها والجدة تحاول ان تسرع اليها.

حسنا سقطت ريتا وسقط رشيد وريتا الخاصة بي لا تأبه لكل هذا الضياع داخلي.

وسط هذا الكون العظيم انا تائه في أحد المقاهي أحاول ان اكتب هذا الجنون في عقلي لعله يخرس، لعل هذا العقل الغبي يتوقف عن العمل.

حسنا ان كنت لا زلت تقرأ سأحدثك عن ريتا الخاصة بي ولكنه سيكون سرنا الصغير ولن أفصح لك عن اسمها.

ريتا الخاصة بي تشبه كثيرا الجميلة ريتا في ملامح وجهها لكنها لم تكن لا خرساء ولا بليدة الذهن.

صحيح انها كالبلهاء حين تضحك لكنها شديدة الذكاء، وفي غاية الجمال والاناقة.

نحن صديقان مقربان، او بالأحرى مقربان كثيرا، او على الأقل هذا ما اعتقده.

لها الكثير من الفرص بان تحظى بحبيب أفضل مني او ما الذي سيجعلها تحب أحدا منعزلا لا يأبه لمصيره، كل ما يبتغيه من هذا العالم سوى الكثير من النوم او التحديق في عينيها وهما تلمعان ومشاهدة شفتيها تتحركان دون حتى ان ابالي بما تقوله.

حسنا لم اعد اريد الكتابة الآن..

أحمد دريدي