خلاف القوميين والإسلاميين بتونس سياسي وليس أيديولوجيا

sdfre

AddToAny

خلاف القوميين والإسلاميين بتونس سياسي وليس أيديولوجيا

  • بتاريخ : خميس, 2020-03-05 12:40
  • نشر بواسطة : صبري دريدي

يبدو أن ما حصل في مصر قد لا يتكرر في تونس رغم استمرار الأجواء المشحونة بين الإسلاميين وعموم القوميين. فالأحداث تؤكد يوما بعد يوم أن الخلافات بين التيارين لا زالت قائمة، لكن طبيعة العلاقة بينهما قد تطورت نسبيا وبدأت تغادر دائرة العداء وتنتقل إلى دائرة الخصومة السياسية.

هناك فرق شاسع في العلاقة بين الأعداء وبين الخصوم، إذ في الحالة الأولى يغذيها الإقصاء المتبادل وتتحكم فيها الكراهية والرغبة في الانتقام والتصفية، في حين تخضع الحالة الثانية إلى التباين في وجهات النظر والاختلاف في المواقف والتباين في تقدير المصلحة. وإذا كان منطق العداء لا يسمح لطرفي النزاع بالوقوف على أرض واحدة، فإن الخصومة يمكن أن تدفع المتخاصمين إلى التقاطع والاتفاق على الحد الأدنى والاحتكام إلى آليات التنافس الديمقراطي.

ينقسم القوميون عموما بين بعثيين وناصريين، وهو انقسام تاريخي حصل منذ الخلاف الذي نشأ بين عبد الناصر من جهة وحزب البعث بفرعيه السوري والعراقي، ولا يزال ذلك الانقسام مستمرا حتى اليوم . في المقابل، شهد التيار الناصري انتعاشة ملحوظة بعد الثورة التونسية، غير أنه سرعان ما انقسم على نفسه لأسباب تتعلق بالتسيير الداخلي وأولويات المرحلة وتحديد الحلفاء. فقد استقال المرحوم محمد البراهمي من حركة الشعب التي أسسها مع رفاقه، واختار بديلا عنها تشكيل تنظيم جديد تحت عنوان "حزب التيار الشعبي"، الذي شارك مع بقية الفصائل الماركسية في تأسيس للجبهة الشعبية. وقد جعلت هذه الجبهة الصراع مع الإسلاميين على رأس أولوياتها.

تضررت حركة الشعب مؤقتا من هذا الانقسام، لكن سرعان ما واصلت مسيرتها وتمكنت، حتى بعد اغتيال البراهمي، من تعزيز صفوفها، وهو ما مكنها من تحقيق اختراق ملحوظ خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث حصلت على 15 مقعدا في البرلمان. وقد مكنها ذلك من التحول إلى رقم سياسي مهم من خلال تشكيل الكتلة الديمقراطية مع حزب "التيار الديمقراطي"، وأن تصبح طرفا فاعلا في إسقاط حكومة الحبيب الجملي التي اقترحتها حركة النهضة، ثم شريكا في حكومة إلياس الفخفاخ المقترحة.

هناك أزمة ثقة عميقة بين حركتي الشعب والنهضة، وهي تعود إلى أسباب متعددة، مع ذلك هما مستعدتان للمشاركة في حكومة ائتلافية في حال توصلهما إلى اتفاق سياسي، وهو ما يقتضي التنسيق والتضامن الحكومي الضروري لكل ائتلاف. بذلك تكون حركة الشعب قد تجاوزت عتبة المعاداة المطلقة لحركة النهضة؛ مثلما يفعل زملاؤها في حزب التيار الشعبي الذين يرفعون إلى اليوم شعار "يا غنوش يا سفاح"، ويعتقدون بأن حركة النهضة تقف وراء اغتيال محمد البراهمي وشكري بلعيد.

هذا التحول المهم في العلاقة بين الطرفين من شأنه أن يخفف كثيرا من الطابع الأيديولوجي للصراع، ويجعلهما يتجاوزان الصراع القديم بين الرئيس عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين، ليصبح الخلاف بينهما حول البدائل الاقتصادية والاجتماعية، أو حول طبيعة المرحلة واختيار الحلفاء والموقف من السياسات الخارجية والملفات الإقليمية. وبما أن هذه الملفات ظرفية ومتحولة، فإن التمسك بها من قبل هذا الطرف أو ذاك ليس ثابتا، ويمكن أن تحصل تقاطعات وتنازلات وتبادل مصالح بين الفاعلين، وهو ما ستفرضه مقتضيات العمل المشترك ضمن حكومة واحدة. كما ستتشكل صداقات بين الكوادر العليا في كلا الحركتين، وهو أمر حاصل اليوم، وسينعكس ذلك بالضرورة مستقبلا على العلاقات بين أنصارهما، مما قد يترتب عنه تغيير المناخ العام، وتعديل الرؤى، والتقليل من حالات الاحتقان والصراع بين الفريقين. وهو ما تحتاجه كثيرا الساحة التونسية في هذا الظرف الدقيق والصعب.

لو تعاون الإخوان المسلمون في مصر مع بقية القوى السياسية، وبالأخص التيار القومي، خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في المرحلة الانتقالية لتغير المشهد كثيرا، وتمكنت الديمقراطية من ترسيخ أقدامها. لقد سبق لقوميين وإسلاميين تمهيد الطريق لتحقيق مثل هذا المنعرج التاريخي، وذلك منذ المؤتمر الأول الذي عقدوه معا بالقاهرة، وتشرفت بحضور فعالياته، واستمرت الجهود بعد ذلك تحت إشراف مركز دراسات الوحدة العربية. وحصل يومها تقدم هام في هذا المسار، وكان ينتظر أن تكون مصر المخبر الحقيقي لتحقيق هذا التحول في أول فرصة توفرت للإسلاميين والقوميين بعد الثورة، لكن إصرار الإخوان على قيادة البلاد، وتشكيلهم لبرلمان كان تقريبا من لون واحد، وإصرارهم على تولي رئاسة البلاد، كل ذلك وفر المناخ الملائم للانقضاض عليهم داخليا وخارجيا، فكانت النتيجة أن عاد الجميع إلى المربع الأول.

مهما تشعبت الأزمة السياسية في تونس، ومهما كان مصير الحكومة المقترحة من قبل إلياس الفخفاخ، فإنه من المؤكد أن الخلاف الدائر اليوم بين حركتي النهضة والشعب لم يعد أيديولوجيا بقدر ما هو سياسي.

* صلاح الدين الجورشي: كاتب و محلل سياسي 

*المصدر: موقع عربي 21