حول الخلط بين اللّيبراليّة والديمقراطيّة

sdfre

AddToAny

حول الخلط بين اللّيبراليّة والديمقراطيّة

  • بتاريخ : سبت, 2018-11-24 16:28
  • نشر بواسطة : صبري دريدي

بدأ الخلط بين مفهومَيْ اللّيبراليّة والديمقراطيّة في أواخر القرن التاسع عشر. لكنّه ظلّ محدوداً ومحصوراً في أوساط سياسيّين غربيّين في مجرى صراعهم ضدّ الماركسيّة في بداية انتشارها في العالَم. بحثوا عن "سلاحٍ" فكريّ للدفاع عن النّظام الديموقراطيّ، ووجدوا ضالّتهم في اللّيبراليّة.

انتقل الخلْط من الساحات السياسيّة إلى دوائر فكريّة وأكاديميّة في البلدان التي شهدت حركة ترجمة شملت أدبيّات غربيّة، ومن بينها بلدانٌ عربيّة. كانت كتاباتٌ لفلاسفة العقْد الاجتماعي جون لوك وجان جاك روسّو وتوماس هوبز، ومفكّرين عقلانيّين وتنويريّين مثل ديكارت وفولتير ومونتيسكيو وألكسيس دي توكفيل، في صدارة ما أقبل عليه مُترجمون ومثقّفون سعوا إلى الاستفادة من ثقافة الغرب المتقدّم. وفي بعض ترجمات هؤلاء، وفي كِتاباتٍ حولها، بدأ الخلْط بين الديموقراطيّة واللّيبراليّة في أوساط فكريّة وأكاديميّة في بلدانٍ غير غربيّة.

غير أنّ الخلْط على هذا المستوى وصل الغرب، أو قُل ظهر في بعض الجامعات ومَراكز الأبحاث والتفكير في أوروبا والولايات المتّحدة، منذ تسعينيّات القرن الماضي، وارتبط بنشوة الانتصار على الاتّحاد السوفييتي السابق ومُعسكره "الماركسي"، وشيوع تعبير "الديموقراطيّة اللّيبراليّة".

مَساران تاريخيّان مُختلفان

اللّيبراليّة ليست فلسفة واحدة أو نسقاً فكريّاً مُغلقاً، بل تيّاراً عريضاً يشمل أفكاراً كثيرة وفلسفات اختلفت في كثير من تفاصيلها عبر تاريخها منذ أن بدأت إرهاصاتها في القرن الخامس عشر في أوروبا. يجمع هذه الأفكار والفلسفات، والاتّجاهات، مبادئ عامّة أساسيّة مثل الحرّيات السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، واحترام الفرد والخصوصيّة، والعقلانيّة، والتعدديّة، وقبول الآخر، والمساواة أو تكافؤ الفرص، والعدل أو حُكم القانون.

وتأثَّر مسار اللّيبراليّة منذ بزوغ إرهاصاتها الأولى بتحوّلاتٍ كبرى بدأت في أوروبا، مثل الانتقال إلى الرأسماليّة، وظهور العلمانيّة، والتطوّر نحو الديمقراطيّة.

لم يكُن هناك ارتباطٌ عضوي بين اللّيبراليّة، وأيٍّ من تلك التحوّلات الكبرى. لكنّ أفكاراً ليبراليّة أسهمت في بلورة أطر فكريّة لكلٍّ منها (مفهوم الحريّة الاقتصاديّة بالنسبة إلى الرأسماليّة، ومفهوم حريّة الاعتقاد، والحرّيات الثقافيّة عموماً، بالنسبة إلى العلمانيّة، ومفاهيم الحريّة السياسيّة، والتعدّد، وقبول الآخر، وغيرها، بالنسبة إلى الديموقراطيّة).

لم تكُن الديمقراطيّة، بالمعنى الذي نعرفه اليوم، موجودة في العالَم حين بزغت إرهاصات اللّيبراليّة في عصر النهضة، ثمّ توسَّعت في عصر التنوير، بين القرنَين السادس عشر والثامن عشر. اللّيبراليّة أسبق من الديمقراطيّة تاريخيّاً. عُمر الديمقراطيّة أقصر، إذ يصعب أن نجد أساساً قويّاً لها على نطاقٍ واسع قبل بداية القرن التاسع عشر، حين بدأ تطوّرها في ارتباطٍ وثيق مع حصول البرلمانات القليلة التي كانت موجودة في بعض البلدان على صلاحيّات رقابيّة وتشريعيّة. فقد كانت البرلمانات سابقة أيضاً على الديمقراطيّة. ولكنّها كانت تعني شيئاً آخر غير ما صارت تُعرف به منذ بداية التطوّر نحو الديمقراطيّة. كان البرلمان في بدايته مقصوراً على ملّاك الأراضي في مرحلة الانتقال من الإقطاع إلى الرأسماليّة، إلى جانب نبلاء المُدن ووجهائها. وكان ذكوريّاً لا محلّ للنساء بين أعضائه، ولا حتّى بين ناخبيه الذين كانوا محصورين في دافعي الضرائب الذكور.

وأخذ ذلك التمثيل الأرستقراطي في التراجع تدريجيّاً، بدءاً من إنكلترا، لمصلحة البورجوازيّة الصّاعِدة. ولكنّ البرلمانات ظلّت نخبويّة، وليست شعبيّة، ردحاً من الزمن. ولم تتحرّر البرلمانات من نخبويّتها، أي لم "تتمقْرط" أو تصبح ديمقراطيّة، إلّا عندما بدأت الأحزاب السياسيّة في الانتشار، فتغيَّر تركيب المَجالس النيابيّة. وكانت بدايات اللّيبراليّة سابقة على هذا كلّه.

الاختلاف بين أفكارٍ وإجراءات .. وبَين قيَمٍ ومؤسّسات

فضلاً عن اختلاف مسارَيْ اللّيبراليّة والديمقراطيّة في تطوّرهما التاريخي، فهما مُختلفان في طابعهما. اللّيبراليّة أفكارٌ وفلسفاتٌ وثقافاتٌ وقيَم، فيما الديمقراطيّة إجراءات وقواعد وترتيبات ومؤسّسات.

اللّيبراليّة، إلى ذلك، منهج أخذ البشرَ إلى مساحةٍ مُختلفة عن تلك التي بقوا فيها على مدى تاريخهم، ومازال كثيرٌ منهم محبوسين فيها يبحثون عن الخلاص في عقائد مُطلقة دينيّة أو قوميّة أو غيرها، أو في الرّهان على بطل، أي عن حلّ خلاصيّ ما. اللّيبراليّة، قبل كلّ شيء، منهج في التفكير ينطلق من قدرة البشر على تحسين شروط حياتهم عندما يمتلكون حرّيتهم، ويحرّرون عقولهم، ويُحسنون استخدامها.

الديمقراطيّة، في المقابل، نظام سياسيّ يقوم على تداول السلطة عبر اقتراعٍ حرّ يختار عبره الناخبون برلماناً يفترض أنّه يمثلهم، ورئيساً للدولة في النظام الديمقراطي الرئاسي، وشبه البرلماني، فيما ينتخب المجلس النيابي رئيساً للحكومة يرأس السلطة التنفيذيّة، ورئيساً للدولة يكون حكماً بين السلطات، في النظام الديمقراطي البرلماني. ويحدث هذا الاختيار في عمليّة تنافسيّة حرّة تتبارى فيها أحزابٌ ومنظّمات وجماعات سياسيّة وأفراد من دون قيود تُكبّلهم. الديمقراطيّة، إذن، عمليّة إجرائيّة يحدِّد الدستور في كلّ بلد القواعد التي تقوم عليها، والعلاقة بين المؤسّسات التي تعمل في إطارها، وتنظِّم القوانينُ تفاصيلَها.

وبموجب هذا الاختلاف، يُمكن أن توجد ديمقراطيّة من دون ليبراليّة. والمقصود، هنا، ديمقراطيّة حقيقيّة يكون الشعب فيها مصدر السلطة، وتتوافر لها المقوّمات الأساسيّة التي تُمثَّل محتوى النظام الديمقراطي، وليس شكله فقط، إذ يسهل تركيب هذا الشكل على أيّ نظام، كما حدث في شأن "المركزيّة الديمقراطيّة" التي بلْورَتها أدبيّات ماركسيّة، واستخدَمتها أحزابٌ شيوعيّة وصلت إلى السلطة.

فقد حدث تطوّر ديمقراطي حقيقي في اليابان، على سبيل المثال، في بيئة ثقافيّة غير ليبراليّة، وفي ظلّ سيادة ثقافيّة جماعيّة تنفر من الفرديّة التي تُعَدّ القيمة الأكثر فرادة في اللّيبراليّة. ويُمكن أن تعمل الديمقراطيّة في بيئة غير ليبراليّة إذا توافرت إرادة سياسيّة لدى النخبة التي تتوافَق على تأسيس نظامٍ ديمقراطي، وتعوَّد المجتمع على قواعد هذا النظام وإجراءاته، وصارت مألوفة لدى فئاته المُختلفة.

وهذا الاختلاف بين طابع كلّ من الديمقراطيّة واللّيبراليّة هو الذي أتاح وجود ديمقراطيّين لكنّهم ليسوا ليبراليّين، منذ أن ظهرت الاشتراكيّة الديمقراطيّة في نسختها الأولى في مطلع القرن العشرين. وفي العالَم الآن ديمقراطيّون من اتّجاهاتٍ مختلفة غير ليبراليّة، (مُحافِظة واشتراكيّة وغيرها)، ولكلٍّ منها مرجعيّتها واتّجاهاتها المُختلفة عن اللّيبراليّة كلّياً أو جزئيّاً...

د. وحيد عبد المجيد*

*مدير مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة*مدير مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة

نقلا عن مجلة الفكر العربي