المدرسة لم تعد محضنا للتربية والمواطنة

sdfre

AddToAny

المدرسة لم تعد محضنا للتربية والمواطنة

  • بتاريخ : أربعاء, 2017-05-24 11:29
  • نشر بواسطة : موقع الشبيبة تي آن

قد يبدو سؤال الإصلاح في مجال التربية والعليم، خاصة في ظل الارتداد الذي تعيشه المدرسة التونسية اليوم، سؤالا مفصليا. لأنه يبحث في حركة المستقبل والمداخل الممكنة لجعل المدرسة متصالحة مع متغيرات الراهن ومستجيبة لانتظارات شبابنا.

وبعيدا عن تفاصيل التوصيف والتشخيص اللذان أخذا ما يكفي من استحقاق زمني، فان المنتهى الذي بات مكشوفا لأغلب الفاعلين في الحقل التربوي هو أن المدرسة لم تعد وسيلة للارتقاء في السلم الاجتماعي. ولا محضنا للتربية المواطنية. فالجانب الكمي الذي تفتخر به السياسة التربوية انتهى الى فائض تعليمي خارج الدورة الانتاجية، وبات عبئا اجتماعيا يهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي. كما أن النوايا المعلنة في مناهجنا التربوية المبشرة بفكر تنويري وثقافة كونية أنتجت جيلا مسيجا بمساهمات تاريخية و”دغمائية غارقة في الراديكالية”.

هذه المفارقة والتناقض بين المعلن والمنجز مرده سلسلة الإخلالات التي صاحبت عمليات الاصلاح في محطاتها المختلفة، كما يعود أيضا إلى المقاربات المقترحة في تناول مواد القيم خاصة مادتي التربية الاسلامية والمدنية.

صحيح أن هذه الاصلاحات مثلت نقلة نوعية للدرس الديني بتمكينه من أدوات منهجية تقطع مع التعليم الديني التقليدي. فضلا عن إدراج مادة التربية المدنية ضمن البرامج الرسمية لتبصير المتعلم بالحقوق والقبول الطوعي بالواجبات والاقتناع بضرورة التعامل الديمقراطي. الا أن المحصلة كانت دون الانتظارات، وذلك راجع الى جملة العوائق المصاحبة، ومنها.

1 كان هدف الدولة من إصلاح التعليم الديني وربطه بمادة التربية المدنية التحكم في الفرد، والتنوع الطبيعي، وإلزام المتلقي بالاتباعية والتماثل مع خياراتها الثقافية والسياسية، وأيضا الرغبة في هيكلة الذهنية العامة والتحكم في القنوات القيمية والسلوكية منعا للانفلات المربك من شباك مشروع السلطة السياسية. وهو ما ساهم في انحراف المؤسسة التعليمية عن وظيفة تكوين مواطنين يشعرون باستقلاليتهم وحريتهم في الاختيار والاختلاف الى مجرد مواطنين غيورين على نظام لم يمنحهم حق المشاركة، وهو ما يفسر التفاعل السلبي مع الدرس الديني والتربية المدنية التي بات النظر اليهما كقنوات للاستغلال الأيديولوجي.

2 من المفارقات التي حملتها كل الاصلاحات لمادتي التربية الاسلامية والمدنية التناقض بين التوصيات والأهداف المقترحة من جهة، وسياسة التهميش لهذه المواد من جهة ثانية. فرغم الغائيات المطالبة بتنوير الفكر الديني وترسيخ المعجم الحقوقي فقد قامت المنظومة التعليمية على تهميش هذه المواد من خلال تحجيم دورها في السلم التعليمي والنظام التقويمي.

3 لئن كان التوظيف الأيديولوجي الذي صاحب مادة التربية الإسلامية مانعا لتحقيق التفاعل الايجابي مع المضامين المقترحة، وأيضا سياسة التهميش التي أضعفت الدرس الديني، فان الاطار التعليمي لهذه المادة الذي تكون داخل الكلية الزيتونية وتربى على الطرق التقليدية دون اطلاع كاف على العلوم الانسانية والمناهج الحديثة. لم يكن متمثلا للخيار التنويري ولا قادرا على القطع مع الأفق المعرفي التقليدي.

4 التناقض الصارخ بين المنطوق به في الدرس الديني والتربية المدنية داخل الفضاء المدرسي وثقافة اللاتسامح التي تحكم الفعل السياسي والفكر الديني السائدين في المحيط الخارجي ، وهو ما أضعف تأثير التربية الاسلامية في نشر ثقافة دينية مستنيرة ومنع التربية المدنية من تأصيل قيم حقوقية بديلة.

ان القيم الحقوقية والتدين المدني والثقافة المواطنية ليست شعارات ترفع ولا مقرر دراسي يختبر فيه المتعلم عن حفظه، بل هي ثقافة يحميها سياق عام وتنتجها بيئة تعليمية واجتماعية وسياسية قادرة على نشرها وترسيخها، وهي أيضا الشروط التي يجب توفيرها لتشكل قاعدة أولية لكل مشروع إصلاحي مقترح للمدرسة التونسية بعد الثورة، حتى يكون لهذه الثورة معنى ومضمونا وأثرا في العقول وفي الواقع.

 

عبد الرزاق العياري

تونس