الشباب وصراع القيم

sdfre

AddToAny

الشباب وصراع القيم

د جمال بن دحمان

- أستاذ جامعي، اختصاص تحليل الخطاب.
- عضو في شبكة الديمقراطيين بالعالم العربي
- نائب الأمين العام لمؤسسة محمد عابد الجابري للفكر والثقافة
- الكاتب العام للمنتدى المغربي لشباب التسامح
- مسؤول الدراسات والأبحاث في منتدى المواطنة
- مؤلف العديد من الكتابات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكامة

  • بتاريخ : خميس, 2017-05-11 11:42
  • نشر بواسطة : د جمال بن دحمان

وجهتا نظر تختلفان في الحديث عن الشباب واختياراته القيمة: ترى الأولى أن مفهوم الشباب أصبح مرتبطا بالحيرة في الاختيارات،و المواقف،و السلوكات، وأن هناك صراع قيم تعكسه أنماط الممارسات المتطرفة، وضياع البوصلة الموجهة… بالمقابل ترى الثانية أن  سؤال القيم ليس جديدا؛ لأنه اختزال لقضايا الوجود والتفكير فيها؛ فكل الصراعات التي عرفتها البشرية تمت تحت مقولة (القيم)، بل إن  صراع المعتقدات هو صراع قيم: وكذلك صراع الأفكار و الرؤى..

أساس الاختلاف يمكن تحديده من خلال الإجابة عن السؤال الآتي: هل القيم ذات طبيعة موضوعية تتعالى عن الزمان و المكان، أم إنها مرتبطة بالتجربة الفردية والحس المشترك؟.

وجهة النظر الأولى تعتبر أن للقيم وجودا قبليا ودائما ومستقلا؛مما يعني أن خزان القيم حددته الأطر الاجتماعية والدينية واللغوية، وأنه المحدد لصفة الانتماء( مغربي- تونسي- مصري- ألماني- نيجيري) .

وجهة النظر الثانية تجعل المواقف متمردة على المخزون القيمي(الدين واللغة والتقاليد والأعراف والعادات والقوانين)، مثاله يبدو في التمرد على شعيرة الصيام،أو اضمحلال التضامن الاجتماعي،أو العنف في الفضاءات العامة المرتبط  بفهم خاطئ لمعنى الحرية والحق.

تسائل   هذه الثنائية  المنهجية الحادة مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية ؛ فهل يرجع الصراع إلى   طبيعة التربية  ( المثالية) التي يتلقاها الطفل واليافع ( تربية مستندة أساسا على خزان القيم) ، قبل أن يشتد عوده ،وتبتدئ تجربته في الينعان ليجد نفسه أمام صراع قيم:قيم متعالية عن الزمان والمكان (مثالية)،  وأخرى تجريبية ذاتية تجعله يشكك في قيم التربية (التقليدية)؟

إذا عدنا إلى معجم القيم كما صاغته التربية التقليدية ماذا نجد؟

سنجد قيما عامة مرتبطة ب(المثاليات) مثل البركة والمكتوب والقدر…،و المعقول(على مستوى الممارسات)، و الخير والصبر والقناعة( على المستوى الفردي). و التضحية والطاعة  (على المستوى الاجتماعي).

إذا اعتمدنا مفهوم (الحس المشترك) سنجد أن  هذه القيم اليوم محل تشكيك ؛لأن مجتمعاتنا العربية  التي تجعل الدين المصدر الأساس للقيم ، تجد نفسها، اليوم، أمام أطر قيمية آخر ى  منافسة  دون أن تمتلك الجواب المعرفي الذي يسمح بقيادة التغييرات . فهناك :

  • القيم الحقوقية؛ إذ ينبغي ألا ننسى أن جوهر حقوق الإنسان قائم على القيم ( قيمة الحرية- الكرامة- التسامح- الديمقراطية- المشاركة….)..

2- القيم ذات الصلة بالعولمة والشبكات العابرة للأوطان والمجتمعات.

في السابق كانت القيم مجالا للتفاوض والتفاعل مع فئة محدودة ( المثقف- الرحالة – الدبلوماسي..) لأن من يحتك يقترض ويتفاعل. لكن مجال التفاعل، اليوم، مفتوح أمام الجميع، وسلعة القيم محل تنافس..هناك عرض جاذب ،ومحفز، ومحقق للطموحات الفردية. لذلك من الطبيعي جدا أن يقع التنافس الحاد في هذا المجال:  صورته تبدو في صيغة ثنائيات حادة :

  • تقليدية الخطاب، وحداثة الممارسة والسلوك …؛
  • نفعية ضمنية:  توظيف القيم حسب السياقات والحالات : الحداثة في علاقة الفرد بذاته، والتقليدية في علاقته بمحيطه الأسري أو المجتمعي؛

– فوضى إنتاج القيم:  هناك مؤسسات للتنشئة الاجتماعية ذات صلة بالقيم التقليدية ( المدرسة العمومية- الأسرة- الإعلام الرسمي)؛ لكننا نجد في الوقت نفسه أن هذه القيم التقليدية تجاور القيم (الجديدة) وتصارعها؛ فقيم الديمقراطية، والتربية على حقوق الإنسان و المواطنة..  أفضت إلى ترسيخ ( قيم الاختيار- الإنصاف- المساواة- الكرامة..) ،وهي قيم مناقضة لقيم  الطاعة في مختلف تجلياتها. كما أن قيمة الكرامة أو الاستحقاق تناقضان قيمة المكتوب أو القدر.

لنمثل لانعكاس ذلك على السلوكات :شاب منهله معجم القيم الدينية كما يفهمها ،أو كما قدمت له في إطار تنشئة اجتماعية مغلقة، وفي إطار نوع من التربية (الروحية) تصنف البشر فئات واختيارات.( أهل الحق والخارجين عنه).هذا الاختيار سيكون مناقضا لثقافة العيش المشترك وحرية الاختيار والمعتقد….

وإذا أخذنا مثالا مخالفا، وليكن من دعاة الحريات الفردية . لاشك أن معجمه القيمي سيكون مستمدا من ثقافة حقوق الإنسان ،وفق فهم معين  وانتقائي وتأويلي،سينعكس على مستوى السلوكات في صورة انتقاد لقيم المجتمع، ورفض لها، واتهامها بالرجعية والتخلف والتحكم…فمادامت القيم غير موجودة باعتبارها ماهيات خارجة عن الذات، فإن القيم التقليدية والمؤسسية سترفض وستقاوم. لتخلق هوية متسيبة ،تستقبل بحرية مطلقة كل وافد جديد، ومستعدة لإلغاء ما لا يتناغم مع اختياراتها.

النتيجة في الحالتين حيرة اختيارات القيم، وفي الأسوء تطرف مقابل تطرف ، ورفض مقابل رفض، وتداخل بين الإحباطات الاجتماعية والاقتصادية والسلوكات القيمية ،