الأزمة والتغيير المؤجل.

sdfre

AddToAny

الأزمة والتغيير المؤجل.

مالك الصغيري

من مواليد 1985 بمدينة القصرين. باحث جامعي متخرج من دار المعلمين العليا وكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بتونس اختصاص تاريخ. قيادي سابق بالاتحاد العام لطلبة تونس وعضو حركة جيل جديد. صدرت له مؤلفات بالاشتراك ومقالات علمية وصحفية.

  • بتاريخ : جمعة, 2018-02-23 11:35
  • نشر بواسطة : مالك الصغيري

كلما تشتد الازمة تزداد القناعة بأن تغييرا مؤجلا يستدعي نفسه كمهمة مباشرة للانجاز. تغييرٌ طال تأجيله رغم أن رسائله الملحة لا تكف عن الوصول للجميع، بهدوء تارة وبصخب تارة أخرى، وليست أحداث الثورة إلا تعبيرا مكثفا عن حاجة البلاد الى هذا التغيير. تغييرٌ جدي وعميق، يطال المؤسسات والعلاقات والبنى والذهنيات. تغييرٌ في النمط الاقتصادي والسياسي لإدارة الدولة والمجتمع حيث لم تعد الآليات القديمة قادرة على الصمود أمام التحولات المتسارعة؛ آليات تشكلت مع فترة الاستقلال المبكر وتأسست على فلسفة في الحكم تعتبر الدولة روح الشعب وتعطيها مهاما "أبوية" في الرعاية والمرافقة واستحقت بفضلها دولة الاستقلال تسمية "دولة الرعاية" التي تدرجت بالمجتمع من حالته المتشظية إلى وحدة متكاملة بفضل توحيد التعليم وتعميمه وتوحيد القضاء وتعميم الصحة وفق مقاربة تحديثية قريبة من فكر المدرسة الوضعية والجمهورية الثالثة والسانسيمونية.

لكن بعد ستين عاما او يزيد من عمر الدولة التونسية الحديثة، جرت في عروقها دماء كثيرة وتسربت اليها امراض مستحدثة مثل توحد الادارة بالحزب وتغول جهاز الامن والقمع السياسي وانهيار منظومة التعليم والصحة والنقل والبحث والترفيه والفساد المنهجي. وأمست تلك الدولة الفتية شبحا لما كانت عليه، لم تتطور مع تطور المجتمع؛ مع الاستقلال لم يكن الشعب التونسي يتجاوز الـ3 مليون نسمة لكننا اليوم في حدود الـ12 مليون، ما كان كافيا في الستينات أصبح اليوم علاوة على الترهل والتقادم عاجزا عن تلبية الطلب الديمغرافي المتزايد وفي طليعة هذا الطلب الاجتماعي قضايا حارقة لا تحتمل التأجيل مثل التشغيل.

لماذا يعجز الاقتصاد التونسي عن تلبية الطلب الاجتماعي على العمل ؟ هل تفاجأت الدولة بهذا الموضوع أم انها كانت عاجزة منذ الثمانينات عن استباق الأزمة ؟ لقد كان الجميع يعرف بأن مراكز الصحة الاساسية والمستشفيات الجهوية والجامعية تحتاج الى تطوير حتى تواصل مهامها على أكمل وجه وتكبر مع الاحياء التي تكبر والمدن التي تكبر. كان الجميع يعرف أن عشرات آلاف التلاميذ سوف يكبرون ويبحثون عن شهادات لائقة تمنحهم الحق في حياة وشغل كريمين ولكن الجامعة لم تتطور وغرقت في الروتين والدروس المكررة والتجهيزات الرثة ومراكز البحث الطاردة للباحثين. كان الجميع يعرف أن البنية التحتية الحديدية يجب ان تتطور وتدخل الاعماق ولكن الجميع عاين انهيارها حتى اصبح محزنا رؤية كل تلك المحطات المهجورة والسكك المنسية رغم حاجة الناس الى خدماتها. كان الجميع يعرف أن الفسفاط ملوث وقاتل ولكن وقع تجاهل صرخات المكلومين في الحوض المنجمي حتى بلغ السيل الزبى وتوقف الانتاج. كان الجميع يعرف ان العاصفة قادمة ولكن لم يحرك احد ساكنا. ومن تحرك في العقود الماضية طالته  يد القمع او الاسكات.

هل نواصل العمل بالاليات القديمة ؟ ام نعيد بناء فلسفة الدولة ونعيد بناء علاقتها بالمجتمع. دولة جديدة لمجتمع جديد. ومن مازال يحن للستينات فحنينه هروب من الواقع وهو اقرب بذلك للسلفي المتشبث بآلية القياس منه لمعاصر زمانه المتمسك بمواجهة الواقع ومصارعة تحدياته.