أسلمة الراديكالية والإسلام الراديكالي

sdfre

AddToAny

أسلمة الراديكالية والإسلام الراديكالي

د محمد جويلي

أستاذ باحث في علم الاجتماع مدير عام سابق المرصد الوطني للشباب خبير دولي في مجال الشباب عضو الهيئة الوطنية لمكافحة الارهاب

  • بتاريخ : خميس, 2017-05-11 11:51
  • نشر بواسطة : د محمد جويلي

يطرح الفرنسي “أوليفيي روا” فكرة جديرة بالاهتمام. ففي سياق تحليله للظاهرة الإرهابية قدم لنا ما سماه ” أسلمة الراديكالية “، قاصدا صنفا من الشباب الذي انخرط في شبكات الإرهاب دون أن يكون قد مرّ بتجربة تديّن عميقة. هؤلاء الشباب في الغالب منحدرون من واقع التفكك الاجتماعي و التهميش الحضري و الاقتصادي. مشاكلهم في الغالب مع الدولة و أجهزتها. الدولة غير القادرة على تقديم الإجابات الكافية و المقنعة لانشغالاتهم العديدة. تتعزز مع الوقت نقمتهم على أنفسهم، وعلى محيطهم المباشر العائلي و المؤسساتي.

تنمو طاقة العنف لدى هؤلاء فيصرّفونها تجارة للمخدرات، أو في صيغة جريمة منظمة بكل أشكالها، أو عداء كبيرا للأجهزة الأمنية. ينخرط هذا الصنف من الشباب في منظومة من السلوكات المحفوفة بالمخاطر. الجدير بالملاحظة في هذا السياق أن المشكلات الاجتماعية التي يتخبط فيها هؤلاء تكفّ عن أن تكون مشكلات اجتماعية بالمعنى المتعارف عليه لتتحوّل إلى إخفاقات شخصية. في هذه الحالة يتراجع البعد الاجتماعي للمسألة ليحلّ محلّه البعد الفردي المدفوع إلى إيجاد إجابات مناسبة لوضعيات حرجة. يتحمل الفرد وحده عبء تحدياته في سياق يوصف بضمور مؤسسات الرعاية و المرافقة و تراجع أدائها. فلا العائلة قادرة على مواجهة التحدي، ولا الأيديولوجيا التي كانت تعطي معنى لوجود الأفراد، ولا مؤسسات الدولة بأصنافها تصبح قادرة على القيام بدور معالجة المشكلات الاجتماعية ضمن منظورها الجماعي. يبقى الخلاص في هذا السياق من المخاطر خلاصا فرديا يتجه إلى الأقصى.

فكرة ” أوليفيي روا” تبعد الشأن الديني كدافع للانخراط في الإرهاب، وتضعه على الهامش نسبيا. فكرته تضع في الصفوف الأمامية مسألة الراديكالية كتجربة عنفية، و يقودنا إلى النظر إلى الظاهرة الإرهابية كأحد أصناف ” الثورات الجيلية”، وتبقى جملته الشهيرة ” لا يتعلق الأمر بإسلام راديكالي ، بل بأسلمة للراديكالية” خلاصة مهمة لتوجهه النظري في هذه المسألة.

يدافع ” أوليفيي روا” بقوّة على فكرته داعما إياها بتقديم صنف من الشباب المنخرط في الإرهاب دون خلفية دينية و دون تجربة سلفية عميقة يتمّ تتويجها. من السهل إيجاد دعائم لهذه الفكرة، ففي السياق التونسي كثيرا ما انخرط شباب الأحياء ذات الكثافة السكانية المحيطة بالمدن الكبرى في أتون الإرهاب منتقلين و بسرعة من عالم الجريمة بمعناها المتداول إلى عالم الشبكات الإرهابية. تجد هذه الشبكات في شباب الأحياء الفقيرة و المهمشة صيدا ثمينا للانتداب. تعطي لطاقة العنف و النقمة الكامنة لديه شرعية دينية، تنقله من عالم الحي المقيت إلى أدوار إنقاذ الأمّة. تحولّه من مجرم إلى بطل جدير بكل أنواع الاعتراف. تكسبه ثقة في النفس لطالما أفتقدها و تضعه في مصاف من هو جدير بالتقدير.

على النقيض من فكرة ” أوليفيي روا” يطرح الفرنسي المختص في الإسلام السياسي ” جيل كيبيل” فكرة مناقضة تماما لسابقه. يقدم نظرية الإسلام الراديكالي بديلا لنظرية أسلمة الراديكالية. يذكر ” كيبيل” دوما بأجيال الشبكات الإرهابية من الأفغان إلى القاعدة ثم داعش. و يؤكد على حضور الخطاب السلفي بما أنه يضع الشأن الديني في قلب الظاهرة الإرهابية خلافا ل “أوليفيي روا” الذي يضعه على الهامش.

ضمن السياق التوتسي كلا النظريتين تجدان التبريرات الواقعية الساندة،هناك من الإرهابيين من خاض التجربة السلفية وذهب بها إلى أقصاها، وهناك أيضا من أتى للظاهرة من أفق التفكك الاجتماعي و التهميش الحضري و عالم الجريمة.

الغالب على النقاشات التونسية حول الظاهرة الإرهابية البحث عن الأسباب، أي البحث عن العلاقة السببية بين الإرهاب و الظواهر الأخرى المجاورة كالبطالة و الفقر و المستوى التعليمي.

على أهمية البحث في العلاقات السببية نحتاج إلى النظر في التجارب الفردية، في مسارات الأشخاص، وفي المعنى الذي يعطيه الفرد لتجربته.