أحمد قويدر يكتب لـ"الشبيبة": حاجٌّ .. بنِصف دين ..

sdfre

AddToAny

أحمد قويدر يكتب لـ"الشبيبة": حاجٌّ .. بنِصف دين ..

  • بتاريخ : أربعاء, 2020-03-25 11:11
  • نشر بواسطة : صبري دريدي

يوم عودتي من أداء مناسك الحج .. لم أجد من ينتظرني .. لا في المطار و لا في المنزل ..

كنت لازلت قد أتممت العقد السادس .. بشيء من شق الأنفس .. لست بمستند على عكاز .. و لكن هي عصا تركها والدي اعتبرتها أغلى ما ورثته عنه ..

كما لم يهاتفني أحد طيلة تلك الأيام .. لم يسأل عني قريب و لا بعيد .. إلا في اليوم الأول .. أخي و أختي .. فقط ..

و لكن من ٱختار هذا ! ألست الفاعل ! ألم أنذر أني لن أتزوج !

كنت أعلم أن الوحدة ستكون شريكتي .. لا غير .. لا غير ..

ها أنا إذا أعزب .. متقاعد .. متم لنصف ديني .. و النصف الثاني قد رحل منذ زمن طويل .. فماتت فيّ أشياء .. و ما يموت لا يعود أبدا ..

حين دخلت البيت .. كان خاليا من الحياة .. كان خرابا و هو عامر بما قد تهواه الأنفس طِيباً .. باستثناء من كانت ستبث فيه الحياة ..

وضعت حقيبتي الصغيرة .. شيء من الملابس و المسلتزمات .. مسبحتان و كتاب قرآن ..

لا أبناء لي و لا أحفاد .. و لا هدايا و لا مفاجآت .. و لا حتى الحلوى و الشيكولاطة لطفولة لا وجود لها في منزلي ..

جلست في شرفة الفناء الأمامي .. وقد شارف اليوم على نهايته .. نفضت الغبار عن الكتاب الذي أدوّن به رواية في فصلها السابع .. لم أتممها لأني كنت ضيفا في بيت الرحمان ..

أعددت فنجان قهوة كما ٱعتدت أن أشربها .. دونكِ أصبحت مرة المذاق لا لون لها ولا رائحة مثلها مثل الحياة التي أعيشها..

وضعت خاتمي فوق الطاولة وهو يشبه "خاتم السلطان سليمان" كما يسمونه.. كما وضعت نصب أعيني صورة قديمة لك على شاشة هاتفي .. صرخ القلم "إلهاما إلهاما" .. كررت الورقة من خلفه .. و لبّى الحبر على السطر الأول :

"بسم الله الرحمن الرحيم

من الحاج لبيت الله الحرام .. إلى قمر زماني ..

قصدت الكعبة سبيلا .. و ما إستطعت أن أحضى بك حلالا طيبا ..

فطوبى لمن رزق منك نجوما .. و الرحمة على فؤادي ..

إذ والذي قلب أحمد بيده إني كسرتُ حتى أجرمتُ في حق نفسي .. و رفضت أن أكون لغيركِ و لو من بعدكِ .. حُبا ! لا رغبة عن سنة الحبيب ..

من العبد لله .. الكاتب لأجلكِ دون سواكِ ..

إنّي و الفؤاد من هذا المنبر .. لا نستجدي منكِ عطفا و لا شفقة .. و لكن من العشق ما عفّف الروح .. و من الشغف ما لفّ غشاء حول القلب .. فمنع عنكِ الخروج و عن غيركِ الدخول ..

من الوحيد .. المستوحش .. الذابل .. الصدأ كسيف لم يغادر غمده ..

من المشتاق .. المنساق خلف الهوى ..

من مرتعش الأصابع و هو يخطّ هذه الأحرف بلسان عربيٍّ ..

أتمّ الليلة فصلا آخر من فصول الموت من بعدكِ .. حيث وجهك الملائكيّ أنيسي في الأفق .. و تسجيلات صوتك التي أحفظ كلماتها عن ظهر قلب .. تتخللها ضحكتكِ الطفولية .. هن متخلّلات سمعي الذي نقص كثيرا ..

قد شارف البصر أن يذهب .. و بياض العين أن يكتمل .. و يجري السواد مع سيول الدمع ..

إبيضت اللحية و وهن الجسد تِيما و شوقا ..

و إن متُّ من يومي هنا ! فلا سائل و لا من يقبرني حتى ..

الحمد لله على ما مضى ..

الحمد لله على ما اختاره لنا ..

و لن أختم بتلك الكلمة .. إحتراما .. لأنكِ على ذمّة رجل آخر ..

و السلام ."

 

أحمد قويدر: شاب